هو إنسان هادئ، لا يغضب ولا يثور، ولا ينفعل بسرعة. لا يحتد في كلامه، بل الصوت المنخفض الخفيف.. هو بعيد عن النرفزة أعصابه هادئة..
قيل عن السيد المسيح في وداعته، إنه (لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ) (مت 12: 19، 20)، (أش 42: 2، 3).
البعض يخطئ في فهم الوداعة، فيتصور
الوديع كشخصية خاملة، بلا تأثير ولا فاعلية ويظن الوداعة رخاوة في الطبع!!
كأن يتحول الوديع – بسبب طبيعته – إلى أضحوكة وسط الناس، يلهون به ويدوسون على كرامته. أو أنه بسبب احتماله للآخرين وعدم تذمره، يصبح مهزأة. أو أيضا بسبب عدم إدانته للناس، لا يفعل شيئا متى رأى الشر مسيطرا على الخير! كلا فليست هذه هى الوداعة.
إنما المفهوم الصحيح للوداعة، لا يمنع مطلقا من أن ترتبط بالرجولة والنخوة والشجاعة والشهامة
فنحن نتحدث عن الوداعة بأسلوب الحقائق! ونقول إن الوديع هو إنسان طيب ومسالم ومهاود، ونتغافل أن يكون ذا شجاعة ونخوة وشهامة..
وأيضا هناك كلمة عميقة قيلت في سفر الجامعة، تنطبق على تصرف الوديع في مختلف المواقف والأحداث، وهى:
(لكل شيء زمان، ولكل أمر تحت السموات وقت..
للسكوت وقت وللتكلم وقت) (جا 3: 1، 7).
فنع أن الطيبة هى الطابع العام في حياة الوديع، إلا أنه للشجاعة في حياته وقت وللشهامة وقت، ولكن في غير عنف.
أمثلة:
· المسيح في وداعته وحزمه:
هذا المثل الأعلى الذي قيل عنه (لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته) نراه حازما قويا في تطهيره للهيكل، حينما طرد الباعة، وقال لهم (مكتوب بيتى بيت الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص) (مت 12: 12، 13).
وكان قويا وحازما أيضا في توبيخه للكتبة والفريسين) (مت 23)
وكان حازما في شرح شريعة السبت وفعل الخير فيه، على الرغم من كل المعارضة التي لاقاها..
·مثال موسى المشهور بحلمه العجيب.
حتى أنه قيل عنه (وكان الرجل موسى حليما جدا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض)
(عد 12: 3) موسى هذا الذي نزل من الجليل ومعه لوحا الشريعة، ووجد الشعب يعبد عجلا ذهبيا ويغنى ويرقص . لم يقف موقفا سلبيا باسم الحلم والوداعة، بل حمى غضبه وطرح لوحى الشريعة من يديه وكسرهما. ثم أخذ العجل الذي صنعوه، وأحرقه بالنار، وطحنه حتى صار ناعما وذاره على وجه الماء (خر 32: 19، 20) وانتهر هرون رئيس هرون رئيس الكهنة، حتى اضطرب بين يديه.
·مثال آخر هو داود .
هذا الذي قيل عنه في المزمور (اذكر يا رب داود وكل دعته) (مز 132: 1) كان موقفه جريئا وشجاعا، لما رأى جليات يعير صفوف الله الحى، بينما كان كل الجيش واقفا في خوف أمام ذلك الجبار..
أما داود الوديع فقال من هو هذا الأغلف حتى يعير شعب الله؟! وظل يكلم الناس بشأنه، ولم يهمه إستهزاء أخيه الأكبر به. وأخيرا قال لشاول الملك (لا يسقط قلب أحد بسببه) (1صم 17: 32) وذهب وحاربه ولم يخف منه، بل قال له (أنت تأتى إلى بسيف وبرمح وبترس، وأنا آتى باسم رب الجنود.. اليوم يحبسك الرب في يدى.. (1صم 17: 45، 46).
هذا هو داود الشاب الهادئ الأشقر، صاحب المزمار والقيثار، وفي نفس الوقت صاحب الغيرة، ورجل الحرب جبار البأس..
·مثال ثالث هو بولس الرسول.
إنه إنسان طيب هادئ، يقول لأهل كورنثوس في توبيخه لهم (أطلب إليكم بوداعة المسيح وحلمه، أنا نفسى بولس الذي هو في الحضرة ذليل بينكم، وأما في الغيبة فمتجاسر عليكم) (2كو 10: 1)
ويقول لشيوخ أفسس (متذكرين أنى ثلاث سنين ليلا ونهارا، لم افتر أن أنذر بدموع كل أحد) (أع 20: 31) إنه رسول، من حقه أن ينذر، ولكنه بوداعة ينذر، ولكنه بوداعة ينذر بدموع.
بولس هذا في الكرازة والتبشير، كان أسدا..
إنه حينما يتكلم عن البر والدينونة والتعفف أمام فيلكس الوالى، يقول الكتاب (ارتعد فيلكس. وقال له إذهب الآن، ومتى حصلت على وقت أستدعيك) (أع 24: 25) ولما وقف أمام اغريباس الملك، قال له الملك (بقليل تقنعنى أن أصير مسيحيا) (أع 26: 28)
وبولس هذا الوديع، لم يمتنع عن توبيخ بطرس الرسول. وقال (لما رأيت أنهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الإنجيل، قلت لبطرس قدام الجميع: إن كنت وأنت يهودى تعيش أمميا لا يهوديا، فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا) (غل 2: 14)
·مثال رابع هو أليهو بن برخئيل :
كان الرابع بين أصدقاء أيوب. ومن وداعته ظل صامتا بينما كان يتكلم أصحاب أيوب الثلاثة معه على مدى 28 إصحاحا. ولم يفتح أليهو فمه من فرط وداعته، لأنهم كانوا أكبر منه سنا..
وأخيرا لم يستطع أن يصبر هذا الوديع أكثر من هذا، لما رأى أن الجميع قد أخطأوا. وفي ذلك يقول الكتاب(فحمى غضب أليهو بن برخئيل البوزى من عشيرة رام. على أيوب حمى غضبه، لأنه حسب نفسه أبر من الله. وعلى أصحابه الثلاثة حمى غضبه، لأنهم لم يجدوا كلاما واستذنبوا وأيوب.. فقال لهم (أنا صغير في الأيام، وأنتم شيوخ، لأجل ذلك خفت وخشيت أن أبدى لكم رأيى..) (أى 32: 2 _ 7) ثم بدأ رسالته في التوبيخ..
حقا لكل شيء تحت السموات وقت. لسكوت الوديع وقت، ولكلامه وقت. لطيبته وقت، ولحزمه وقت..
من كتاب عشرة مفاهيم للبابا شنودة الثالث

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
الكنيسة الرسولية هي أحد الكنائس غير التقليدية وهي كنيسة إنجيلية تبشيرية كاريزماتية.